ابن عجيبة

396

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

وقال الهروي : الفقر صفة مهجورة ، وهو ألدّ ما يناله العارف ، لكونها تدخله على اللّه ، وتجلسه بين يدي اللّه ، وهو أعلم المقامات حكما ؛ لقطع العوائق ، والتجرد من العلائق ، واشتغال القلب بالله . قيل : الفقير الصادق لا يملك ولا يملك . وقال الشبلي : الفقير لا يستغنى بشئ دون اللّه . وقال الشيخ ابن سبعين رضى اللّه عنه : الفقير هو الذي لا يحصره الكون . ه . يعنى : لخروج فكرته عن دائرة الأكوان . وقال القشيري : الفقير الصادق عندهم : من لا سماء تظله ، ولا أرض تقلّه ، ولا سهم يتناوله ، ولا معلوم يشغله ، فهو عبد اللّه بالله . ه . وقال السهروردي في عوارفه : الفقر أساس التصوف ، وبه قوامه ، ويلزم من وجود التصوف وجود الفقر ؛ لأن التصوف اسم جامع لمعاني الفقر والزهد ، مع زيادة أحوال لا بد منها للصوفي ، وإن كان فقيرا زاهدا . وقال بعضهم : نهاية الفقر بداية التصوف ؛ لأن التصوف اسم جامع لكل خلق سني ، والخروج من كل خلق دنى ، لكنهم اتفقوا ألّا دخول على اللّه إلا من باب الفقر ، ومن لم يتحقق بالفقر لم يتحقق بشئ مما أشار إليه القوم . وقال أبو إسحاق الهروي أيضا : من أراد أن يبلغ الشرف كل الشرف ؛ فليختر سبعا على سبع ، فإن الصالحين اختاروها حتى بلغوا سنام الخير . اختاروا الفقر على الغنى ، والجوع على الشبع ؛ والدّون على المرتفع ، والذلّ على العز ، والتواضع على الكبر ، والحزن على الفرح ، والموت على الحياة . ه . وقال بعضهم : إن الفقير الصادق ليحترز من الغنى ؛ حذرا أن يدخله ؛ فيفسد عليه فقره ، كما يحترز الغنى من الفقر ؛ حذرا أن يفسد عليه غناه . قال بعض الصالحين : كان لي مال ، فرأيت فقيرا في الحرم جالسا منذ أيام ، ولا يأكل ولا يشرب وعليه أطمار رثة ، فقلت : أعينه بهذا المال ؛ فألقيته في حجره ، وقلت : استعن بهذا على دنياك ، فنفض بها في الحصباء ، وقال لي : اشتريت هذه الجلسة مع ربى بما ملكت ، وأنت تفسدها علىّ ؟ ثم انصرف وتركني ألقطها . فو اللّه ما رأيت أعز منه لمّا بدّدها ، ولا أذل منى لما كنت ألقطها . ه . وكان بعضهم إذا أصبح عنده شيىء ؛ أصبح حزينا ، وإذا لم يصبح عنده شيىء ؛ أصبح فرحا مسرورا ، فقيل له : إنما الناس بعكس هذا ، فقال : إني إذا لم يصبح عندي شئ فلى برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أسوة ، وإذا أصبح لي شئ لم يكن لي برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أسوة حسنة . ه . وجمهور الصوفية : يفضلون الفقير الصابر على الغنى الشاكر ، ويفضلون الفقر في الجملة على الغنى ؛ لأنه - عليه الصلاة والسلام - اختاره ، وما كان ليختار المفضول . وشذ منهم يحيى بن معاذ الواعظ وأحمد بن عطاء .